تمثل الغابات اللبنانية ثروة طبيعية وتاريخية لا يمكن تعويضها بسهولة. فقد كانت الجبال اللبنانية في الماضي تضم غابات واسعة، واشتهرت بشكل خاص بأرزها الذي استخدمته الحضارات القديمة في البناء وصناعة السفن وغيرها.
ادت قرونًا من استغلال الأخشاب، إلى جانب الحروب والتوسع الزراعي والعمراني والرعي والحرائق، أدت إلى تقلص مساحة الغابات وتجزئتها. وتشير البيانات الحديثة إلى أن الغابات تغطي حوالي 13.2% من مساحة لبنان، أي نحو 136,900 هكتار، بينما تصل مساحة الغابات والأراضي المشجرة مجتمعة إلى حوالي 23.4% من مساحة البلاد.
تعرضت الغابات اللبنانية عبر التاريخ لضغوط بشرية متواصلة، شملت قطع الأشجار، واستخدام الأخشاب في البناء والوقود، والتوسع الزراعي، والرعي، والحروب، ثم التوسع العمراني والحرائق. ونتيجة ذلك تحولت مساحات واسعة من الغابات القديمة إلى بقع صغيرة ومتفرقة.
الغابات اللبنانية في العصور القديمة
كانت جبال لبنان في العصور القديمة أكثر كثافة بالغابات مما هي عليه اليوم. واشتهرت المنطقة خصوصًا بغابات الأرز، التي كانت مصدرًا مهمًا للأخشاب ذات القيمة العالية.
استخدمت الحضارات القديمة أخشاب لبنان في بناء السفن والمنشآت والمعابد، وكان الأرز من أهم الموارد الطبيعية التي جعلت جبال لبنان معروفة في الشرق الأدنى القديم. ولم تكن الغابات مقتصرة على الأرز وحده، بل كانت تضم أنواعًا متعددة من الأشجار والنباتات بحسب الارتفاع والمناخ، منها السنديان والصنوبر والعرعر والشوح وغيرها.
وتشير مصادر تاريخ الغابات في الشرق الأدنى إلى أن مساحة غابات الأرز القديمة كانت هائلة مقارنة بما تبقى منها اليوم؛ فقد ذُكر في أحد تقارير FAO التاريخية أن غابات الأرز التي كانت تغطي أكثر من 500 ألف هكتار لم يبقَ منها لاحقًا سوى بضع بقايا صغيرة.
استغلال الغابات عبر التاريخ
لم يحدث تراجع الغابات اللبنانية في فترة واحدة، بل كان نتيجة عملية طويلة امتدت لقرون.
وكانت الحرب العالمية الأولى من أكثر المراحل قسوة على الغطاء الحرجي اللبناني. وتذكر مصادر تاريخية للأمم المتحدة وFAO أن السلطات العثمانية استغلت الأخشاب اللبنانية، خصوصًا لتشغيل السكك الحديدية، وتشير التقديرات التاريخية إلى أن لبنان فقد نحو 60% من أشجاره خلال السنوات الثلاث الأولى من الحرب العالمية الأولى.
ثم استمرت الضغوط خلال الحرب العالمية الثانية، عندما تعرضت مناطق حرجية أخرى للقطع للحصول على الأخشاب.
مساحة الغابات في القرن العشرين
توجد أرقام مختلفة لمساحة الغابات في لبنان خلال القرن العشرين بسبب اختلاف طرق المسح وتعريف الغابة.
ومن الأرقام المهمة أن دراسة عن تغير الغطاء الحرجي تشير إلى أن الغابات كانت تمثل حوالي 35% من مساحة لبنان سنة 1960، في حين تراجعت إلى نحو 13% في الفترة اللاحقة.
يمكن تلخيص أهم مراحل التراجع على النحو الآتي:
الفترة وضع الغابات
العصور القديمة غابات واسعة جدًا، وخاصة غابات الأرز
القرون اللاحقة استمرار قطع الأشجار والتوسع الزراعي والرعي
الحرب العالمية الأولى تدهور شديد بسبب استغلال الأخشاب للوقود والسكك الحديدية
منتصف القرن العشرين استمرار القطع والتوسع الزراعي والعمراني
حوالي 1960 بعض الدراسات تقدر الغطاء الحرجي بنحو 35% من مساحة لبنان
أواخر القرن العشرين انخفاض كبير وتجزؤ الغابات
2000-2018 استمرار فقدان الغطاء الحرجي وتدهوره
اليوم الغابات نحو 13.2%، والأراضي المشجرة الأخرى نحو 10.2%
وتشير FAO إلى أن لبنان فقد 0.7% من الأراضي الحرجية بين عامي 2000 و2010، ثم خسِر 0.42% إضافية بين 2010 و2018 وفق بيانات التقرير الوطني الخاص بتدهور الأراضي.
وهذا يعني أن الغابات اليوم لا تمثل سوى جزء صغير من المساحات التي كانت تغطيها الغابات اللبنانية تاريخيًا.
لكن الوضع ليس مجرد انخفاض في المساحة؛ فالمشكلة الأخرى هي تجزؤ الغابات. فقد أصبحت العديد من المناطق الحرجية عبارة عن بقع منفصلة عن بعضها، الأمر الذي يجعل انتقال الحيوانات والنباتات وانتشارها الطبيعي أكثر صعوبة.
وتؤكد FAO أن الغابات اللبنانية الحالية هي بقايا لأنظمة بيئية متوسطية قديمة، وأنها تعرضت لضغوط شديدة بسبب الحروب والحرائق والممارسات غير المستدامة والتوسع العمراني.
على الرغم من صغر مساحة لبنان، فإن تنوعه البيولوجي مرتفع بصورة لافتة. وتشير FAO إلى أن لبنان يغطي حوالي 0.007% من مساحة اليابسة في العالم، لكنه يضم نحو 0.8% من الأنواع المسجلة والمصنفة عالميًا.
ويرجع ذلك إلى مجموعة من العوامل، أهمها:
1. الاختلاف الكبير في الارتفاعات.
2. وجود مناخ متوسطي متنوع.
3. وجود مناطق جبلية باردة وأخرى أكثر دفئًا.
4. اختلاف كمية الأمطار بين المناطق.
5. تنوع التربة والصخور.
6. موقع لبنان على طرق هجرة الطيور.
تضم الغابات والأحراج اللبنانية مجموعة واسعة من الأشجار والشجيرات والنباتات العشبية.
ومن أهم الأشجار:
- أرز لبنان (Cedrus libani).
- الصنوبر المثمر (Pinus pinea).
- الصنوبر الحلبي.
- الصنوبر البروتي.
- السنديان.
- العرعر.
- الشوح.
- السرو.
- الحور.
- أنواع مختلفة من الأشجار والشجيرات المتوسطية.
وتُظهر دراسة متخصصة في تحديد مناطق الأولوية النباتية في لبنان مدى الغنى النباتي للبلاد؛ فقد حددت 31 منطقة ذات أهمية نباتية عالية جدًا أو عالية، وكانت هذه المناطق تضم 2386 نوعًا نباتيًا، أي نحو 79% من نباتات لبنان، ونحو 80% من الأنواع المحلية.
وهذا يدل على أن حماية المناطق الحرجية لا تعني حماية الأشجار فقط، بل حماية شبكة واسعة من النباتات والموائل المرتبطة بها.
توفّر الغابات اللبنانية موائل مهمة للعديد من الحيوانات والطيور.
ومن الحيوانات التي يمكن أن توجد في النظم الحرجية والجبلية اللبنانية:
- الخنزير البري.
- ابن آوى.
- الضبع المخطط.
- الثعلب.
- القط البري.
- السنجاب.
- النيص.
- أنواع متعددة من الخفافيش.
- الزواحف والبرمائيات.
- أعداد كبيرة من الحشرات واللافقاريات.
أما الطيور، فتستفيد من الغابات اللبنانية باعتبارها موائل للتكاثر والراحة والتغذية، إضافة إلى أهمية لبنان كمسار رئيسي لهجرة الطيور بين أوروبا وأفريقيا وآسيا.
يُعتبر أرز لبنان من أهم عناصر التراث الطبيعي اللبناني. وقد بقيت منه تجمعات محدودة مقارنة بالانتشار الواسع الذي كان له تاريخيًا.
ومن أهم مواقع الأرز:
- غابة أرز الرب.
- محمية أرز تنورين.
- محمية أرز الشوف.
- غابة إهدن.
- جاج.
- حدث الجبة.
- القموعة ومناطق أخرى في شمال لبنان.
ولا تقتصر أهمية الأرز على قيمته الرمزية؛ فهو جزء من نظام بيئي جبلي يوفر موائل للكائنات الحية ويساهم في حماية التربة وتنظيم المياه.
رغم الجهود المبذولة لإعادة التشجير، لا تزال الغابات اللبنانية تواجه عدة أخطار، أبرزها:
الحرائق
تعتبر حرائق الغابات من أخطر المشكلات، خصوصًا خلال فصل الصيف مع ارتفاع درجات الحرارة وجفاف النباتات.
التغير المناخي
يؤدي ارتفاع درجات الحرارة وتغير أنماط هطول الأمطار الى زيادة خطر الحرائق وانتشار بعض الآفات.
وقد حذرت مصادر لبنانية من أن تغير المناخ يمثل تهديدًا خاصًا لأرز لبنان، لأن ارتفاع درجات الحرارة قد يدفع الظروف المناخية المناسبة له إلى ارتفاعات أعلى في الجبال.
التوسع العمراني
أدى توسع المدن والقرى والطرق والمشاريع العمرانية إلى فقدان أجزاء من الموائل الطبيعية وتجزئتها.
قطع الأشجار
لا يزال القطع غير المستدام للأشجار مصدر ضغط في بعض المناطق، خصوصًا عندما يستخدم الحطب كمصدر للطاقة.
الرعي الجائر
يمكن للرعي المفرط أن يمنع نمو الأشجار الصغيرة ويؤثر في تجدد الغابات.
الحروب والنزاعات
أثرت الحروب المتكررة في لبنان بصورة مباشرة وغير مباشرة على الغابات، من خلال الحرائق والقطع والإهمال وتدمير الموائل.
إذا أخذنا تقدير عام 1960 الذي يضع الغطاء الحرجي عند نحو 35%، وقارنّاه بالتقدير الحديث البالغ نحو 13.2%، نلاحظ انخفاضًا كبيرًا في نسبة الأراضي المصنفة غابات.
لكن لبنان لم يفقد ثروته البيولوجية بالكامل. فما زالت غاباته ومحمياته تضم أنواعًا نباتية وحيوانية كثيرة، وبعضها نادر أو متوطن. ويمنح هذا التنوع لبنان أهمية خاصة في منطقة البحر المتوسط.
إن حماية الغابات اللبنانية لا تعني فقط المحافظة على الأشجار، بل تعني أيضًا حماية التربة والمياه والحيوانات والنباتات والمناخ المحلي والتراث الطبيعي والثقافي. ولذلك فإن المستقبل يتطلب الجمع بين حماية الغابات القديمة، وإعادة تأهيل المناطق المتدهورة، وزراعة الأنواع المحلية، ومنع الحرائق والقطع غير المستدام، وربط الغابات ببعضها للحفاظ على التنوع البيولوجي.

